أدبيات: قهوة لم تبرد بعد

بدى الصباح مشرقا، والجو لطيف، فما كان لي إلا أن احمل قهوتي واجلس على الشرفة، حتى يتسنى لي شمّ رائحة القهوة ونفحات الصباح من المقهى في آخر الشارع، أصوات أبواق السيارات التي تعلن انطلاق نبض الحياة من جديد بعد سكون الليل، وأزهار الياسمين الجميلة المعلقة بين شرفتي وشرفة الجارة.

وضعت قهوتي الساخنة على الطاولة وجلست أفكر في عجلة الحياة التي لا تتوقف، والتي لا تهدئ ولو لثانية، ومقدار تعبي من كل هذا السعي المتواصل، وأين النتيجة؟

سنوات كثيرة مضت، في انتظار النتيجة، التي لم تظهر بعد، والتي تجعل سرعة سير العجلة يزيد في كل يوم.

تساءلت حينها، أعدم تحقيق الأحلام هو ما يجعلني أعاني؟ أم هي المعاناة بحدّ ذاتها ما تجعل كل أحلامي لاتزال بعيدة؟

وعلى الرغم من أنني لم استطرد في تفصيل تلك المعاناة، قناعة مني أن كل واحد في هذه المعمورة يعاني بطريقة ما، ولا داعي أبدا المزايدة في مقدار معاناتنا لبعضنا، فذلك أراه لا يصح كيفما كان ومهما كانت الأسباب.

ان المقارنة مدخل الشيطان وباب بؤس الحياة، والسؤال الذي يغرق الانسان، هل الحياة عادلة؟

وعلى الرغم من أنني أشعر في أحيانا كثيرة، أن الحياة ليست عادلة، وهي قد جعلت من البعض يعاني أكثر بكثير من البعض الآخر، إلا أنني أعيد وأتذكر أنني قد أبدو للبعض الآخر أيضا شخصا ما عانى سوى القليل، وأنه ناجح على الرغم من كل شيء، حينها أعرف أن نظرتنا للأمور هي ما تجعلنا نفكر إما كضحية، وإما كمقاتل شرس يأبى الرضوخ.

في الأخير هي مجرّد منظور، ومن أي منظور ترى حياتك.

ولكن لماذا استيقظت حزينة على غير العادة؟ وكأن أحزان العالم انسكبت فجأة في قلبي.

لا اعرف ما الذي يجعلني استيقظ حزينة من حين لآخر، عدى أنني استيقظ أعدّ السنين، وأعد مقدار استقراري فأجد الكفة غير متساوية، وهو أمر محزن.

لم أتوقع قط، أنني بعد 26 سنة من السعي، لا أحقق من مقدار أحلامي سوى القليل والقليل جدا، ومازلت في هذه السنّ ابحث عن ذاتي المبعثرة، ومازالت ابحث ولا أجد مكاني الصحيح.

سؤال طنّ في عقلي حينها، أأحلامي صعبت التحقيق الى هذا الحدّ؟

حينها أجبت بكل عفوية، هل العيش في مكان بسيط لطيف مع أناس لطفاء، يقدّر الواحد منّا وجود الآخر في حياته، يعدّ صعبا، هل العمل في عمل أحبه في مكان لطيف وشركاء عمل طيبين يعدّ حلما صعب تحقيقه؟

فهمت حينها أن على مقدار بساطة أحلامي على مقدار صعوبتها، في معادلة تمثل الصعب الممتنع. أو هكذا بدى لي.

26 سنة وما زلت اجري خلف شهادة اكاديمية لا أدري الى اين سيأخذني مصيرها، كتابات انشرها ولا اعرف ان كان هناك من يفهمها، وأعمال أدبية ما زلت أخبئها ولم ترى النور، وهل سترى النور يوما.

لمحة عن حياتي الفقيرة من أي انجاز كنت أتوقع تحقيقه في هذه السنّ.

اتنفس الصعداء، اسحب دمعة كادت السقوط، وأحاول التفكير في الجزء المملوء من الكأس.

وسألت نفسي حينها، ما الذي أمتن عليه كل يوم، وأحمد الله عليه في اليوم ألف مرة؟ في محاولة مني لسحب نفسي من الجانب المظلم الذي استيقظت فيه.

ممتنة للسعي لرضى ربي العباد ورضى الوالدين، وعلى الرغم مما أراه ضئيلا فكل هذا هو مدعاة للفخر لدى من ربياني وسهر على منحي كل ما أملك.

ممتنة لوجود العائلة، وبعض الأصدقاء اللطفاء.

ممتنة انني مازلت أسعى لتحقيق أحلامي دون التنازل عن مبادئ حفرتها الأيام داخلي رغم صعوبة الأمر ورغم الاغراءات للتنازل عنها هنا وهناك.  

ممتنة أنه رغم المعاناة، أنتشل فتات ذاتي كل مرة وأعيد ترميمها وأقف مرة تلوى الأخرى وكأنني لم أسقط قط.

ممتنة لتلك القوة الذي يمنحها الله لي كل يوم، تلك القوة التي تشعرني أن أحلامي قريبة، وأن نبضها مازال حيا، وأنها لا تزال تستحق إكمال المسير نحوها، ولعلها تسعى نحوي بمقدار القوة التي أسعى أنا لها.

حينها أمسكت فنجان القهوة وارتشفت رشفة، فوجدت أنها قهوة لم تبرد بعد، تماما كما هي أحلامي التي لم يبرد لهيبها في قلبي بعد.

الشك يقتل الأحلام أكثر بكثير مما يفعله الفشل | سوزي قاسم

رأي واحد حول “أدبيات: قهوة لم تبرد بعد

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s