منحنى الحياة ومرحلة الركود

كيف هو شكل الحياة الحقيقي؟ ولماذا يحدث ما يحدث وبذلك الترتيب بالذات؟

من الصحي والجيد أننا نؤمن بالقدر وبأن هناك قوة تفوقنا تحرك الأشياء من حولنا، هي قوة الله، فلا أعتقد ان هناك أشقى وأتعس من غير المؤمن بوجود الله.

الدكتور جيفري لانغ في كتابه “الصراع نحو الإيمان”، ذكر أن أكثر الأوقات اضطرابا وبؤسا هي عندما كان ملحدا، حيث ذكر انه يصير من الصعب عيش حياة لا تتحكم فيها قوة تفوقنا قوة وحكمة، وتمنح لما يحدث لنا من أشياء معنى وقيمة، حتى وان استعصى علينا فهمها في الحين.

لكن لماذا يحدث ما يحدث بذلك الترتيب بالتحديد؟ وما هي الرسائل الإلهية في كل هاته الأحداث اليومية؟

هكذا وبعد تفكير طويل، بدأت استوعب بعض الأشياء من تلك الأحداث التي تحدث حولي.

لقد اعتقدت ولفترة من الزمن أن على الحياة ان تسير على نحو متصاعد حتى تكون أكثر نجاحا وانتاجية، انها الفترة التي كنت مصابة بحمى الانتاجية ودفع نفسي نحو العمل المستمر.

ولسنوات عديدة عشت على هذا النحو المقلق، اعد الساعات والأيام وتلخصت حياتي في تقسيمها بعدد الاسابيع، أما يومي فكان عبارة عن كاونتر يعد الدقائق وكم كان الأمر متعبا.

اعتقدت حينها ان هذا هو اسلوب العيش الصحيح حتى أصل لذروة الإنجاز الذي كنت أطمح إليه.

وعلى الرغم من ان الوضع كان مقلقا فقد كانت تنتابني فترات عديدة من التوتر صعب التحكم فيه والذي كان يؤثر سلبا على دراستي، نومي، وصحتي عموما، الا انه أنقذني مرات عديدة كفترة الحجر المنزلي، فالتلاعب الذي قام به عقلي حينها كان مذهلا، لقد دفعني نحو الإنتاج بشكل غير مسبوق، فلم أشعر حينها بسوء فترة الحجر المنزلي على الأقل لعدّة أشهر.

مع هذه العجلة الدوارة سريعة الدوران والخض المستمر، دخلت بفترة الاحتراق أو Burn out

حيث صار العمل لساعات او الدراسة لساعات مصدرا للقلق خاصة وانا اعد ساعات عملي وأقدر انتاجية بشكل يومي، ولا أرضى سوى بالمزيد.

كان الامر مرهقا لدرجة انني فقدت القدرة على التنفس بعمق، ولكن سرعة العجلة جعلت من توقيفها أمرا صعبا تحقيقه، فبدأت بالتخفيف من سرعتها، وعملت لمدة من الزمن مع الهدف الواحد.

كان الأمر حتميا أن أتخلى عن التشتت الذي أوقعت فيه نفسي، ومحاولة تخليص نفسي من التدهور النفسي الذي كنت أعيشه.

محاولة التركيز عن الأمر الواحد لم يمنحني الراحة التي اعتقدتها، لكنه ترك لي مساحة للتفكير، حول لماذا عليّ أن أكون ماكينة تنتج بشكل يومي؟ ولماذا عليا أن انجح في كل مجال أضع إصبعا فيه، وخلق تحديات لا حصر لها؟ لماذا يصير كل هذا غاية غريبة وهاجسا أعيش فيه.

إلى أن أتت انتكاسة جعلت من العجلة تتوقف كليا عن الدوران.

اعرف أن أمثالي كثيرون، لقد ابتلينا بأفكار التميز والترهات التي تم حشو عقولنا بها، حول الشركات الناشئة و الإنتاجية وحب التميز وألا يجب أن تكون كالباقين (من الجانب المادي لا الجانب الفكري)، خلق لنا العالم الذي نعيشه اليوم هذه الجملة من التحديات كمحاولة قولبة فكرية غريبة يتم تسريبها لنا على أنها الخلاص من النمطية، لكن دون أن نعي تم وضعنا في مسار جديد صار نمطيا وتقليديا بعد بعض الوقت هو الآخر، حيث تلخصت صورة النجاح، الذي يقدر بعدد المشاهدات والملايين التي تربح عبرها وبعض الفلوجات التي تنشر حول شقتي الجديدة، سيارتي الجديدة التي اشتريتها بعد نجاح قناتي وموقعي على الانترنت، ومنتوجاتي السخيفة التي اروج أنها الأفضل وقمت بلحس عقول الآخرين لأحصل على أموال طائلة.

والمؤسف ان هؤلاء ممن يحصلون على درع اليوتيوب صاروا مرجع للنجاح كموضة جديدة.

دخلت قبل مدة طويلة تحدي كتابة 1000 كلمة يوميا لمدة شهر، أتممت التحدي، لكنني لم اتحدث عن الأمر في مقالاتي ولم أمنح my feed back، ذلك أن الأمر كان غير واضح في داخلي، كنت أعتقد أنه إنجاز عظيم، أنا الذي تمنيت منذ سنوات دخولي عالم التدوين الأولى أن أكتب بشكل يومي، لكن ما ان قمت به شعرت أن الأمر ليس كما يبدو لي.

فأنا لم أنشر ثلثي ما كتبته في تلك الفترة، الحقيقة دون لف أو دوران، هي الجودة فعلى الرغم من حمى الإنتاجية التي كنت مصابة بها، فقد وقعت فريسة بين الكمية والجودة. وأنا شخص لا يتنازل عن الجودة مهما كانت الظروف.

وفرت لي فترة الركود التي عشتها بعد توقف العجلة من الدوران، الكثير من الوقت للتفكير حول طريقة سير الحياة، ولماذا يحدث ما يحدث.

ما الفائدة من الجرّي المتواصل حول أهداف غريبة لا نعرف عنها شيئا إلا انها تمثل قمة الإنتاج والنجاح، أو هكذا صوّر لنا.

دخولي عالم الكتابة هو ذات السبب الذي دخلت به عوالم التصميم والبرمجة، المتعة وحب ما أقوم به، لكن الأمر صار غير ممتع وعبئ عليّ القيام به لسبب كنت لا أزال أجهله.

من البديهي أن تتطور غاياتنا من الأشياء ما ان نتقنها، فلست ضد تحويل المتعة إلى مصدر دخل، بل أراه غاية الدهاء، ولكن السعي الجاف والمؤلم هو ما أراه انحراف لا يجب الانجراف نحوه، ومحاولة صده بطرق أكثر ذكاء، فالانجراف نحو الهاوية قد يجعلنا نخسر أكثر مما قد نربح.

بعد بعض التفكير، وجدت كم المفاهيم التي طمست في عقلي، والتي كانت تجعلني أعاني كمن هو عالق في قارب ولا يدري بالتحديد ما ينتظره من وراء البحر أو ما وراء اليابس.

لماذا عليّ أن أنجز أشياء ضخمة؟ ولماذا عليّا ألا أفكر سوى بإنشاء شركة عملاقة؟ ولماذا عليّ أن أنتج ماركة خاصة بي؟ ولماذا عليّ أن انشر كتبا عديدة؟ ولماذا عليا ان انشر قصة انجازاتي واضيف عليها الكثير من البهرجة والألوان الدرامية غير الواقعية حتى تصير أكثر تأثيرا على عقل القارئ؟ ولماذا علي أن أكون الآنسة واو؟

أين ذهبت التفاصيل اللطيفة؟ وأين رحلت المتعة في الحصول على أشياء نريدها وتضفي على يومنا نسمة رقيقة هادئة؟ وأين اختفى التمتع بطبق لذيذ؟ ولماذا يعدّ الالتقاء بأشخاص نحب صحبتهم ترفا، بل هي ضرورة لاستمرار العيش.

اسعاد فقير أو مريض بكلمة أو بفعل لطيف أليس أمرا قد يغير يومه للأفضل؟ مساعدة شخص في تعليمه او عمله ألم يعد أمرا مهما؟ اعداد مائدة إفطار لذيذة ألا يعد أمرا تسعد به العائلة؟

أم أننا اختزلنا سعادتنا في تلك الإنجازات الضخمة وصرنا نجلد ذواتنا لأنها لم تحقق ما حققه فلان وعلان، حتى فقدت الحياة معناها.

إنجاز أشياء ضخمة أمر مذهل وسأسعى له لآخر يوم في حياتي، ولكن عدم النظر في تفاصيل الحياة يعدّ اجحافا ورفسا للنعم، وابتعادا عن السعادة بعد ربطها بتلك الإنجازات الضخمة التي قد تتحقق بعد سنوات عديدة من الجد والاجتهاد، وبذلك نعيش سنواتنا تلك ببؤس عدم الإنجاز.

كيف تمت قولبتنا من جديد، لقد دخلنا عالم الانترنت لنكون الاستثناء، لكنني اكتشفت اننا خرجنا من الفئة النمطية لنكون الاستثناء فعلقنا في فئة أخرى وعدنا مرة أخرى للقولبة الفكرية التي هربنا منها لنكون الاستثناء.

كحلقة مفرغة لا طائل منها، وأين المخرج؟

عشرات الصفحات لا تكفي لكم الأفكار التي عالجتها في هاته الفترة من التي اعتقدت أنها فترة ركود وعديمة الإنتاج، فهي لم تكن ممتعة، ولم تكن تأملية كما تعتقد وأنت تقرأ كلماتي السابقة، لقد كانت فترة مؤلمة إلى حدّ ما لأني حينها شعرت أن حياتي توقفت بشكل غير متوقع، وصار الاستمرار في الإنتاجية أمر غير ممكن فقد يؤدي الى انفجار مدوي.

لقد اعتقدت حينها انها فترة ركود غير صحية، وأن على منحنى الحياة أن يستمر في التصاعد، لكن بعد الكثير من التفكير عرفت أن الحياة بشكلها الصحي عليها ان تمر بعد فترة الصعود الى فترة الركود وتخفيف حدة سير العجلة، فهي فترة ليعيد الانسان تشغيل عقله من جديد، وتحديد أولوياته وشكل الحياة التي يريد.

فمرحلة الركود هي مرحلة مهمة شأنها شأن مرحلة الإنتاج، فبعد الإنتاج عليك ان تفكر في أهمية ما أنتجته، وما قيمته أمام نفسك، وهل أنت مستعد لتملأ العالم بحفنة من الأكاذيب حول نجاحات هزيلة وغريبة حتى على مسمى نجاحات، فقط لأن العالم دفعك نحو الأمر بجنون.

الركود هو الالتفات نحو الخلف لترى وتتفحص ما حدث وانت غير واع به.

لطالما كنت غير مؤمنة بالكتاب الذي ينشرون كتبا عديدة في أوقات متقاربة، لأنني كنت أعرف أن بين كتاب وآخر على الكاتب ان يمر بمرحلة التمحيص والتفكير، ليستطيع معالجة أفكار جديدة.

أفضل الكتاب، المخرجين وكتاب السيناريو هم من تجد فترة تفصل بين أعمالهم العميقة، ببساطة لأنهم كانوا يفكرون.

لذلك من الصحي التوقف عن الإنتاجية الخانقة من حين لآخر، التوقف عن دخول التحديات وعن تجارب جديدة، لنمنح أنفسنا فرصة التفريغ لنعرف كيف يمكننا الامتلاء من جديد.

وإنه من الضروري التصالح مع الذات، وعيش مرحلة الإنتاج بالطريقة التي نراها صحيحة لنا، ولا نخشى مرحلة الركود، فهي أيضا مرحلة مهمة في الحياة.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s